الاثنين، 16 أبريل 2012

لاتعذليه




قصيده من اروع ما قراته حتى الان..... للشاعر ابن زريق البغدادي
قبل أن أترككم مع هذه القصيده الرائعة ...... ساتحدث عن الشاعر ابن زريق البغدادي ولد في الكوفة , ورحل إلى الأندلس طلبا للرزق لكن لأسلف لم يوفق هناك
فعاش وحيدا وفقيرا وتوفي هناك ولم يعد لوطنه ولا لزوجته التي أحبها حبا شديدا
ولم يعثر له إلا على هذه القصيده التي كان كتبها على رقعه قبل وفاته قرب رأسه
في هذه القصيده يصف ابن زريق مشاعر الوحدة ولحظه فراقه عن زوجته التي كانت تتشبت به إلا يرحل ولهذا سميت القصيده لا تعذليه الان أترككم مع رائعة ابن زريق...



قصيدة "لا تعذليه" لأبي الحسن علي بن زريق الكاتب البغدادي

....المكنى بيت الطين الأول


ذ كر ابن السمعاني لهذه القصيدة قصة عجيبة فروى:أن رجلا من أهل بغداد قصد أبا عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه بنسبه فأراد أبو عبد الرحمن أن يبلوه ويختبره فأعطاه شيئا نزراً فقال البغدادي إنا لله وإنا إليه راجعون سلكت البراري والقفار والمهامه والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر فانكسرت إليه نفسه فاعتل ومات وشغل عنه الأندلسي إياما ثم سأل عنه فخرجوا يطلبونه فانتهوا إلى الخان الذي هو فيه وسألوا الخانية عنه فقالت إنه كان في هذا البيت ومذ أمس لم أبصره فصعدوا فدفعوا الباب فإذا هو ميت وعند رأسه رقعة فيها مكتوب:لا تعذليه فإن العذل يولعه
قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه 
وذكر أبياتا من القصيدة غير تامة
قال فلما وقف أبو عبد الرحمن على هذه الأبيات بكى حتى خضب لحيته وقال وددت أن هذا الرجل حي وأشاطره نصف ملكي وكان في رقعة الرجل منزلي ببغداد في الموضع الفلاني المعروف بكذا والقوم يعرفون بكذا فحمل إليهم خمسة آلاف دينار وعرفهم موت الرجل 
وروى الحافظ أبو سعد في الذيل أن الإمام أبا محمد بن حزم قال من تختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل ظرفه.


1
لا تعذليه فإن العذل يولعه 
قد قلتِ حقاً ولكن ليس يسمعه


أي أن الشاعر يطلب من نفسه أن لا تلومه ،                                               رغم أنها تقول الحق

جاوزت في لومه حداً يضر به
من حيث قدّرت أن اللوم ينفعه


أي يقول لنفسه بأنها تجاوزت وبالغت في نصحه حتى أدت إلى الإضرار به
.3فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا
من عنفه فهو مضنى القلب موجعه


أي يطلب الشاعر من نفسه أن ترفق به بدلا من الشدة والقسوة فهو موجع القلب

4
قد كان مضطلعاً بالبين يحمله
فضلّعت بخطوب البين أضلعه


الفراق أي أنه يكفيه تلك المصائب التي يحملها والتي أثقلتها لوعة 


5
يكفيه من روعة التفنيد أن له
من النوى كل يوم ما يروّعه


أي يكفيه أنه دائم الفزع والندم على ما فعل

6ما آب من سفر إلا وأزعجه
رأي إلى سفر بالعزم يجمعه


أي أنه ما إن يعود من سفر إلا وقد عزم على سفر مرة أخرى
.7كأنما هو من حل ومرتحل
موكل بفضاء الأرض يذرعه


أي كأنه مقيم ومسافر في نفس الوقت في فضاء الله الواسع

8 .إذا الزماع أراه في الرحيل غنى
ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه


أي إذا كان السرعة في الرحيل غنى ولو حتى إلى السند أصبح مكانه.9تأبى المطامع إلا أن تجشمه
للرزق كداً وكم ممن يودعه


10وما مجاهدة الإنسان واصلة
رزقا ولا دعة الإنسان تقطعه


أي أن هناك شخص يتنقل لطلب رزقه ولا يكسبه ، وآخر مستقر لا ينقطع رزقه
11والله قسّم بين الخلق رزقهم 
لم يخلق الله مخلوقا يضيعه


أي أن الله متكفل برزق العباد وهو مقسم الأرزاق .12
لكنهم مُلئوا حرصا فلست ترى
مسترزقاً وسوى الفاقات تقنعه


أي أن الناس فطروا على طلب الرزق ولاشيء يرضيهم .13والحرص في الرزق والأرزاق قدقسمت
بغي ألا إن بغي المرء يصرعه


الله قسمه فهو ظلم . أي أن حرص الإنسان على الرزق رغم أن.
14والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه
يوما ويطعمه من حيث يمنعه


أي أن الدهر يعطي الإنسان بعد أن كان يمنعه ، ويمنعه بعد أن كان يعطيه.
15
أستودع الله في بغداد لي قمرا
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه


16
ودعته وبودي أن يودعني
صفو الحياة وأني لا أودعه


17 
وكم تشفّع بي أن لا أفارقه
وللضرورات حال لا تشفعه


18وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
وأدمعي مستهلات وأدمعه


19لا أكذب الله ثوب العذر منخرق
عني بفرقته لكن أرقّعه


20إني أوسّع عذري في جنايته
بالبين عني وقلبي لا يوسعه


21
أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته
وكل من لا يسوس الملك يخلعه


22ومن غدا لابسا ثوب النعيم
بلا شكر عليه فعنه الله ينزعه


23 
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته
كأسا تجرع منها ما أجرعه


24كم قائل ليَ ذقت البين قلت له
الذنب والله ذنبي لست أرقعه


25 
إني لأقطع أيامي وأنفذها
بحسرة منه في قلبي تقطعه


26بمن إذا هجع النوام أبت له
بلوعة منه ليلي لست أهجعه


27لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا
لا يطمئن له مذ بنت مضجعه


28ما كنت أحسب ريب الدهر يفجعني
به ولا أن بي الأيام تفجعه


29 
حتى جرى البين فيما بيننا بيد
عسراء تمنعني حظي وتمنعه


30بالله يا منزل القصر الذي درست
آثاره وعفت مذ بنت أربعه


31 
هل الزمان معيد فيك لذتنا
أم الليالي التي أمضت ترجّعه


32في ذمة الله من أصبحت منزله
وجاد غيث على مغناك يمرعه


33 
من عنده ليَ عهد لا يضيعه
كما له عهد صدق لا أضيعه


34
ومن يصدّع قلبي ذكره وإذا 
جرى على قلبه ذكرى يصدعه

35لأصبرن لدهر لا يمتعني
به كما أنه بي لا يمتعه


36
علما بأن اصطباري معقب فرجاً
فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه


37 
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا
جسمي تجمّعني يوما وتجمعه


38وإن ينل أحد منا منيته
فما الذي في قضاء الله يصنعه










يشعر ابن زريق أن زوجه تعذله (تلومه) فيعترف لها أنها كانت على حق حين حاولت ثنيه عن الرحيل. لكنه يقول لها، وقد حسِبها تلح في نصحه، أن كثرة النصح أضرّت به. ولهذا يطالبها باستخدام الرفق في لومه وتأنيبه. لأنه متعب القلب (مضنى) إلى حد الوجع، فما واجهه من صعاب وخطوب (ضربات ونكسات وانكسارات) ضيّقت أضلعه أي لم يعد يحتمل. فلماذا الإكثار من لومه في حين يكفيه ما لاقى من لوعة الفراق (التشتيت)وعنده في كل يوم ما يُروّعه (يخيفه ويفزعه).
ثم يروي القصة من أولها بالإشارة إلى زوجه إذ استودع حيّ "الكرخ" في بغداد قمراً. ويصف كيف ودّعه وقد تمنى لو إن صفو الحياة يودّعه بدلاً من ذلك الوداع الذي تم بالرغم منه.
ثم يرسم صورة شعرية متحرّكة مليئة بالرمز ونظمها يزخر بالشَجَن:وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً وَأَدمُعِي مُستَهِلاّتٍ وَأَدمُعَهُ
تَشبَّثَ: استمسك كما يستمسك الغريق بخشبة نجاة. فهذا أكثر من مجرد عناق أو وداع، كما هو حادث في كثير من حالات الفراق.
ولهذا يقسم، وهو صادق، أن ثوب الصبر ممزق (منخرق) بسبب الفراق الذي أرقّعه، بلا جدوى. وهنا يمضي في الاعتراف و"النقد الذاتي". فيقول أحاول أن أجد الأعذار للجناية التي ارتكبَها بحق من يحب أي بفراقه. لكن كل الأعذار لا تسوّغ "جرمه". ويضيف انه كان يملك شيئاً عظيماً لم يقدّره ولهذا يستحق أن يفقده تماماً كمن لا يحسن سياسة المـُلْك فيُخلَعَهُ. وهذا أمر طبيعي بالنسبة إلى من يلبس "ثوب النعيم" (مهما بدا متواضعاً) ولا يشكر الله عليه فإن الله ينـزعه.
وهكذا لم يعد يرتاح جنبه وهو نائم على فراشه كما كان حال زوجه التي لم يعد يرتاح لها جنب في فراش.
ثم يكرر ما يحدث مع الكثيرين ممن ينوون الهجرة وهو انه ما كان يتصوّر أن الدهر سيفجعه بحبيبه أو يفجع حبيبه به إلى أن تأكد بأن الفراق مدّ يداً بخيلة ضنينة منعت عنهما اللقاء. وهكذا وقع ما كنت أحْذرُه وأفزع منه حيث وقعت الفاجعة.. فاجعة الموت.
هذه القصيدة يُنصح بحفظها، خصوصاً، من قِبل من يحبون الأدب والشعر أو يتطلعون إلى امتلاك القدرة الشعرية فهي نموذج لشعر فذّ لا يبلى مع الأيام ويصعب الوصول إلى مثله


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.